مجالات الاستجابة لوباء كوفيد-19 في لبنان

ما نعيشه اليوم في ظلّ جائحة "كوفيد-19" هو أزمة فعلية. ومثل أي أزمة أخرى، غالباً ما تُستثمر هذه الأوقات من اللاعبين السياسيين لإعادة التموضع وتغيير مواقعهم. لذلك، إختار مختبر المدن في بيروت النظر إلى كيفية تأثير الاستجابة لوباء كورونا على إعادة تشكيل المشهد الجغرافي السياسي في أعقاب انتفاضة 17 تشرين.

لإعداد هذا البحث، أعِدّ جدول بيانات يتضمّن نحو 200 قيداً بيانياً جُمِعت من مصادر مختلفة: وسائط إعلامية (التلفزيون، الصحف، مجلّات إلكترونية)، وسائل التواصل الاجتماعي (تويتر، فايسبوك، إنستغرام)، مواقع إلكترونية، وملاحظات شخصية. توثّق هذه البيانات أنواع الجهات الفاعلة (العامّة والخاصّة والسياسية والدينية والمدنية)؛ طرائق العمل (التدابير الوقائية، وإنشاء مراكز الحجر الصحّي، والمساعدات/الإغاثة، وتدابير الإنفاذ)؛ والوقائع المحلّية (البلديات ومخيّمات اللاجئين).

هذا المشروع هو بقيادة منى حرب، وأحمد غربية، ومنى فوّاز، وساهم في البحث وتصميم الخرائط كل من: لونا دايخ، شريف ترحيني، نور فارس، وإسماعيل حطيط.

تبيّن النتائج ثلاثة مجالات إشكالية:

  • تضخّم سياسات التجزئة الطائفية: تسيطر الأحزاب السياسية الطائفية على معظم المبادرات والتدخّلات الموثّقة في إطار الاستجابة للوباء، لا سيّما عبر تقديم خدمات الصحّة العامّة في مناطق نفوذها. تشمل هذه التدخّلات التطهير وتهيئة مراكز الحجر الصحّي وتوزيع المواد الغذائية، والتي تدبغ جميعها بشعارٍ أو بآخر، ما يعزِّز الانقسامات المناطقية والطائفية. تشارك المجموعات السياسية كافة في تقديم هذه الخدمات، مع بروز دور قويّ لحزب الله و شبه غياب لتيّار المستقبل، فيما حُدِّدت بعض الجهات الدينية وتحديداً المنظّمات الإسلامية السنّية، علماً أن معظم الأحزاب السياسية تنسّق مع البلديات.
  • التوق إلى تنظيمات جماعية وإلى "جمهور":  يظهر هذا التوق من خلال مبادرات المجتمع المدني التضامنية، والدعم الواسع للمستشفى الحكومي والعاملين فيه، الذي يذكّر بالتأثير القويّ للإحساس الجماعي وفقدان الجمهور الذي شهده العديد من الأشخاص خلال انتفاضة 17 تشرين. تستهدف مبادرات المجتمع المدني مواطن ضعف مختلفة: المجموعات (مثل عاملات المنازل المهاجرات مع إيغنا ليجنا، واللاجئون مع CRSP وخبز وملح، والمسنّون مع شريان الحياة وبيت البركة...)، والمجتمعات المحلّية (مثل نوسانيد في عكار)، والقطاعات (مثل مبادرة Busline Heroes لسائقي الحافلات، وبيتنا بيتك للعاملين في مجال الصحّة).
  • تأكيد أوجه عدم المساواة الحضرية القائمة بالأساس: لوحظ ذلك من خلال استبعاد العديد من المناطق المهمّشة وغياب البيانات عنها، وبشكلٍ خاص تجمّعات اللاجئين والأحياء العشوائية وأحزمة البؤس في المدن والبلدات. ومن اللافت أيضاً شبه غياب المنظّمات غير الحكومية والمؤسّسات الدولية، ما ينذر بخطر، خصوصاً أن هذه المواقع هي الأكثر عرضةً لتفشّي الوباء نظراً إلى إزدحامها وقدرتها المحدودة على الوصول إلى المياه النظيفة.

 

عليه، يُحدِّد البحث ثلاث مجالات أساسية للاستجابة لوباء "كوفيد-19" وهي: السياسة الطائفية، والتضامن، والمناطق المُهملة. يسعى المشروع إلى التحقيق في كيفية تداخل هذه المجالات وترابطها (أو عدمه) من أجل تقديم فهم أساسي للجغرافيا السياسية للإدماج/ الاستبعاد الحضري باختلافاتها كافة، وفي ضوء الأزمات المُتعدِّدة في لبنان، للإفادة منها في القرارات السياسية الدامجة والقائمة على الأدلة.